الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
196
نفحات القرآن
و « الفجّار » : من مادة « فجر » بمعنى الشق الوسيع ، وكأنّ الفجور شق لحجاب الدين والطاعة . وقد تحدثت هذه الآية بوضوح عن حاكمية العقل وحجيّة الإدراكات العقلية في مجال الحسن والقبح ، وهي دليل واضح لإثبات أنّ العقل يدرك بعض الحسن وبعض القبح قبل أن يصل إليه حكم الشرع ، والعجيب هو أنّ الفخر الرازي - في هذه الآية - سلم بهذا الأمر ضمنياً ، بينما أنكره في الآية السابقة ! « 1 » . وهذا يعني أنّالإنسان إذا راجع وجدانه فسوف ترتقع عنه حجب التعصب ويعترف في قرارة نفسه بهذا الواقع . وفي الآية الثالثة ورد نفس هذا المعنى ولكن في قالب آخر ، قال تعالى : « امْ حَسِبَ الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوا السَّيّئَاتِ انْ نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيْاهُمْ وَمَماتُهُمْ » . إنّ هذا لا يمت إلى عدالة اللَّه بصلة ، وصدور أمر كهذا عنه قبيح وهو محال : « سَاءَ مَا يَحْكُموُنَ » ، فهل يمكن أن يتساوى الحسن والقبح أو الطهارة والرجس أو الصالح والطالح أو المؤمن والفاسق أو الظلمات والنور . . . إنّ هذا لأمر محال . أمّا في ما هو المراد من ( سواء محياهم مماتهم ) ؟ فقد احتمل المفسرون في تفسيرها عدّة احتمالات ! فقالوا تارة : إنّ المراد من الحياة والموت في هذه الآية هو الحياة والموت في دار الدنيا ، وذلك لأنّ الإيمان والعمل الصالح له آثار إيجابية على كيان الإنسان فهو ينير القلب وينير الفكر مضافاً إلى أنّ المؤمن ينال هداية اللَّه ونصره وحمايته ، بينما لا يكون الأمر كذلك في حالة الكفر والعصيان ، فإنّ الكفر يخيم بظلامه على القلب والروح ويحرم الإنسان من المدد الإلهي .
--> ( 1 ) التفسير الكبير ، ج 26 ، ص 201 .